تُمثل الأنشطة النووية والإشعاعية أحد أكثر القطاعات حساسية من الناحية القانونية والتنظيمية، نظراً لما قد يترتب على ممارستها من آثار تتجاوز حدود المنشأة أو النشاط ذاته لتشمل الصحة العامة والبيئة والأمن القومي. ومن ثم، كان من الضروري إخضاع هذه الأنشطة لمنظومة تشريعية ورقابية متكاملة تضمن الاستخدام الآمن للمواد النووية ومتطلبات الحماية والأمان.
وفي هذا الإطار، وضع المشرع المصري إطاراً قانونياً متطوراً لتنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية من خلال القانون رقم 7 لسنة 2010، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1326 لسنة 2011، قبل أن يشهد هذا الإطار عدداً من التعديلات الجوهرية بموجب القانون رقم 211 لسنة 2017 والقانون رقم 10 لسنة 2026، بما يعكس حرص الدولة علي مواكبة التطورات التقنية والمعايير الدولية ذات الصلة بالأمان والأمن النووي.
ولا تقتصر أهمية هذه التشريعات على تنظيم المنشآت النووية الكبري فحسب، بل تمتد لتشمل مختلف الجهات التي تتعامل مع المواد النووية أو المصادر الإشعاعية، بما في ذلك المنشآت الطبية والصناعية والبحثية، الأمر الذي يجعل الامتثال لأحكامها ضرورة قانونية وتشغيلية لا غني عنها.
وفي هذا المقال، نستعرض أبرز الضوابط والالتزامات القانونية التي تحكم ممارسة الأنشطة النووية والإشعاعية في مصر، مع التركيز على قواعد الترخيص والرقابة والتفتيش والحماية الإشعاعية وإدارة المخاطر والمسؤولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام التشريع المنظم لهذا القطاع الحيوي.
الأنشطة النووية والإشعاعية هي كافة الأنشطة المتعلقة بالمنشآت النووية والإشعاعية وإنتاج واستخدام المصادر الإشعاعية وتداولها وجميع الأنشطة المتعلقة بإدارة النفايات المشعة وأية ممارسات أخري قد يتعرض فيها الإنسان أو الممتلكات أو البيئة لإشعاعات مؤينة من مصادر طبيعية أو صناعية وذلك عدا الأنشطة المنطوية على استخدامات أجهزة الأشعة السينية في المجال الطبي.
المنشآت الإشعاعية هي تلك المنشآت التي تتداول بها مصادر إشعاعية لأغراض التشعيع وتسمي منشآت التشعيع، ومنشآت التصرف في النفايات المشعة، أو تداولها، أو معالجتها، أو تكييفها، أو تخزينها، أو التخلص منها، بما في ذلك منشآت تخزين المواد المشعة المتولدة طبيعياً والنفايات الناتجة عن عمليات التعدين، منشآت إنتاج النظائر المشعة، منشآت تعدين ومعالجة الخامات والمواد التي تصدر عنها إشعاعات مؤينة عدا محطات التحويل النووية، وتسمي منشآت التعدين والمعالجة، منشآت المعجلات الإلكترونية والأيونية، وذلك كله عدا المنشآت النووية ومنشآت استخدام أجهزة الأشعة السينية في المجال الطبي.
اعتمد المشرّع المصري المنشآت النووية لنظام ترخيص متعدد المراحل تتولى إدارته هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، حيث لا يقتصر الترخيص على مرحلة التشغيل فقط، وإنما يبدأ منذ اختيار موقع المنشأة ويمتد حتى خروجها النهائي من الخدمة. وتشمل هذه المراحل إصدار أذون قبول الموقع والإنشاء واختبارات ما قبل التشغيل وتحميل الوقود، وصولًا إلى ترخيص التشغيل وترخيص الخروج من الخدمة.
كما منح القانون الهيئة سلطة وضع القواعد والإجراءات المنظمة للحصول على هذه التراخيص، وتحديد الوظائف التي تستلزم تراخيص شخصية ومتطلبات شاغليها من حيث المؤهلات والتأهيل الفني واللياقة الطبية.
وفي إطار ضمان استمرارية الرقابة، ألزم القانون المنشآت النووية بالحصول على تراخيص خاصة بحفظ الوقود النووي خلال مختلف مراحل دورة الوقود، سواء داخل المنشأة أو خارجها، فضلًا عن الحصول على تراخيص للتصرف في الوقود المستهلك والنفايات المشعة وفق الضوابط التي تضعها الهيئة.
كما تختص الهيئة بوضع قواعد الرقابة والتسجيل والإبلاغ الخاصة بمنشآت تخزين الوقود المستهلك والتصرف في النفايات المشعة، وتحديد حدود التشغيل الآمن ومستويات التعرض الإشعاعي المسموح بها للعاملين والجمهور، مع منحها صلاحيات واسعة في التفتيش والمتابعة والحصول على البيانات اللازمة للتحقق من الالتزام بمتطلبات الأمان والأمن النووي والإشعاعي.
استحدث القانون رقم 10 لسنة 2026 تعديلات جوهرية على الرسوم المقررة للأنشطة النووية والإشعاعية، حيث حدد رسم الإذن لمحطات القوى النووية لتوليد الكهرباء أو تحلية المياه بمبلغ 3 ملايين جنيه، بينما يكون رسم الترخيص بالتشغيل بنسبة واحد في الألف من قيمة الطاقة الكهربائية أو المياه المحلاة المنتجة سنويًا وبحد أقصى 19 مليون جنيه.
كما حدد رسم الإذن لمفاعلات البحوث والاختبارات بمبلغ 150 ألف جنيه، ورسم الترخيص بالتشغيل بمبلغ 150 ألف جنيه سنويًا، في حين بلغ رسم الإذن للمنشآت النووية الأخرى 125 ألف جنيه، ورسم الترخيص بالتشغيل 125 ألف جنيه سنويًا.
وفيما يتعلق بالمنشآت الإشعاعية، حدد القانون الحد الأقصى لرسم الإذن بمبلغ 125 ألف جنيه، والحد الأقصى للترخيص بالتشغيل 100 ألف جنيه سنويًا، وذلك فيما عدا أجهزة الأشعة السينية المستخدمة في المجال الطبي والخاضعة لرقابة وزارة الصحة.
كما حدد الحد الأقصى لرسم ترخيص حيازة أو تداول المواد النووية أو المصادر الإشعاعية بمبلغ 100 ألف جنيه سنويًا، وينخفض إلى 50 ألف جنيه سنويًا بالنسبة للأنشطة الطبية.
أما الموافقات الخاصة باستيراد أو تصدير المواد المشعة أو المصادر الإشعاعية فقد حدد الحد الأقصى لها بمبلغ 10 آلاف جنيه، بينما بلغ الحد الأقصى للموافقة على نقلها 5 آلاف جنيه، وينخفض إلى ألف جنيه في المجال الطبي.
وفيما يخص الإفراج الجمركي عن المواد المشعة أو المصادر الإشعاعية، حُدد الرسم بنسبة 4% من قيمة المادة أو المصدر الإشعاعي وبحد أقصى 1.5 مليون جنيه، بينما حُدد الحد الأقصى للموافقة على العبور الجوي أو المرور البري أو البحري للمواد المشعة بمبلغ 10 آلاف دولار أمريكي أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية الحرة.
كذلك حدد القانون الحد الأقصى لترخيص ممارسة الأنشطة الإشعاعية الأخرى بمبلغ 150 ألف جنيه سنويًا، وللتراخيص الشخصية للأفراد بمبلغ 15 ألف جنيه سنويًا، وينخفض إلى 5 آلاف جنيه سنويًا للأفراد العاملين في المجال الطبي.
وأخيرًا، حدد الحد الأقصى لاعتماد البرامج التدريبية ذات الصلة بالأنشطة النووية والإشعاعية بمبلغ 15 ألف جنيه سنويًا للجهة الواحدة، كما استحدث رسمًا لترخيص تصنيع الأنظمة أو الهياكل أو المعدات ذات الصلة بأمان المنشآت النووية بحد أقصى 200 ألف جنيه سنويًا.
تلتزم الجهات المرخص لها باتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية العاملين والجمهور والبيئة من مخاطر الإشعاع المؤين، وهو ما يعكس تبني المشرع لمبدأ الوقاية قبل العلاج.
وفي هذا الإطار، تلتزم المنشآت بوضع برامج فعالة للحماية الإشعاعية، ومراقبة مستويات التعرض للإشعاع، والتأكد من عدم تجاوز الحدود المقررة قانوناً، فضلاً عن توفير التدريب والتأهيل اللازمين للعاملين الذين يتعاملون مع المواد أو الأجهزة الإشعاعية.
كما تلتزم المنشآت بتوفير أنظمة الرصد والقياس الدوري، وإعداد السجلات الفنية اللازمة لإثبات الالتزام بالمعايير المعتمدة، بما يتيح للجهات الرقابية تقييم مستوي الأمان داخل المنشأة بصورة مستمرة.
منح المشرع الجهة المختصة صلاحيات واسعة في مجال الرقابة والتفتيش على المنشآت والأنشطة الخاضعة لأحكام القانون، بما يضمن التطبيق الفعال للضوابط التشريعية والتنظيمية.
ويشمل التفتيش مراجعة المستندات والتراخيص والسجلات الفنية، وفحص الأجهزة والمعدات والمواد المشعة، والتحقق من تطبيق اشتراطات الحماية الإشعاعية والأمن النووي وخطط الطوارئ.
كما تتمتع الجهة المختصة بسلطة اتخاذ الإجراءات اللازمة في حالة اكتشاف المخالفات، بما في ذلك إصدار الإنذارات أو وقف النشاط أو اتخاذ التدابير العاجلة التي تقتضيها اعتبارات السلامة العامة.
وتكتسب هذه الصلاحيات أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الفنية المعقدة للأنشطة النووية والإشعاعية وما قد يترتب على الإخلال بضوابطها من آثار جسيمة.
لم يعد التنظيم التشريعي للأنشطة النووية يقتصر على الجوانب الفنية المرتبطة بالأمان الإشعاعي، بل أصبح الأمن النووي أحد المحاور الرئيسية التي أولتها التشريعات الحديثة اهتماماً متزايداً.
وفي هذا الإطار، ألزمت القوانين واللوائح المنظمة الجهات المرخص لها باتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواد النووية والمصادر المشعة من الفقد أو السرقة أو التخريب أو الوصول غير المصرح به إليها.
وتشمل هذه التدابير تطبيق أنظمة الحماية المادية المناسبة، ووضع إجراءات للتحكم في الدخول إلى المواقع الحساسة، وإعداد خطط أمنية تتناسب مع طبيعة النشاط ومستوي المخاطر المرتبطة به.
وتعكس هذه الأحكام التزام مصر بالمعايير الدولية ذات الصلة بالأمن النووي وحماية المواد النووية من أي استخدام غير مشروع.
حظر القانون استيراد أو تصدير أو نقل أو الإفراج الجمركي أو عبور المواد أو المصادر الإشعاعية أو أي منتجات ذات طبيعة إشعاعية دون موافقة مسبقة من الهيئة المختصة، ووفقًا للضوابط والمعايير المقررة، مع استثناء أجهزة الأشعة السينية المستخدمة طبيًا.
كما أخضع عمليات النقل والعبور لنظام رقابي دقيق يحدد قواعده مجلس إدارة الهيئة بالتنسيق مع الجهات المعنية، مع اشتراط الإخطار المسبق والحصول على الموافقات اللازمة، وتصنيف المواد المشعة وفق درجة الخطورة، وضمان التزام جميع أطراف عملية النقل بالمعايير والإجراءات المعتمدة بما يتفق مع القواعد الدولية.
تُعد عملية نقل المواد المشعة والتعامل مع النفايات الناتجة عنها من أكثر المراحل التي تتطلب تنظيماً دقيقاً، نظراً لما قد تنطوي عليه من مخاطر بيئية وصحية.
ولهذا وضع المشرع مجموعة من الضوابط المنظمة لعمليات النقل والتخزين والتداول، بما يضمن سلامة هذه العمليات عدم تعريض الأفراد أو البيئة لأي أخطار محتملة.
كما ألزم الجهات المنتجة للنفايات المشعة باتخاذ الإجراءات اللازمة لإدارتها والتخلص منها وفقاً للمعايير الفنية المعتمدة، مع تحمل المسئولية الكاملة عن أي أضرار قد تنشأ نتيجة الإخلال بهذه الالتزامات.
ويهدف هذا التنظيم إلي تحقيق الإدارة الآمنة للنفايات المشعة خلال جميع مراحل التعامل معها وحتي التخلص النهائي منها.
تقوم فلسفة التشريع النووي الحديث على الاستعداد المسبق لمواجهة المخاطر المحتملة، وليس فقط التعامل مع نتائجها بعد وقوعها.
ومن ثم، ألزم المشرّع الجهات المرخص لها بإعداد خطط متكاملة للطوارئ النووية والإشعاعية تتضمن آليات الاستجابة للحوادث والإجراءات الواجب اتخاذها لحماية العاملين والجمهور والبيئة.
كما تلتزم المنشآت بإجراء التدريبات الدورية واختبارات الجاهزية والتنسيق مع الجهات المختصة لضمان سرعة وفعالية التعامل مع أي حادث طارئ.
ويُعد الالتزام بخطط الطوارئ أحد المعايير الأساسية التي يتم على أساسها تقييم كفاءة المنشآت واستمرار صلاحية التراخيص الممنوحة لها.
نظرًا للطبيعة الخاصة للأنشطة النووية والإشعاعية، فقد تبنى المشرّع سياسة تشريعية صارمة في مواجهة المخالفات التي قد تهدد السلامة العامة أو البيئة أو الأمن النووي.
وتتنوع الجزاءات المقررة بين التدابير الإدارية التي تشمل الإنذار ووقف النشاط وتعليق أو إلغاء الترخيص، والعقوبات الجنائية والغرامات المالية المنصوص عليها قانونًا بحسب طبيعة المخالفة وجسامتها.
كما قد تترتب على المخالفة مسؤولية مدنية تقتضي تعويض الأضرار التي تلحق بالأفراد أو الممتلكات أو البيئة نتيجة الإخلال بالالتزامات القانونية والتنظيمية.
ويؤكد ذلك أن الامتثال لأحكام التشريع النووي لا يمثل مجرد التزام تنظيمي، وإنما يُعد جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة المخاطر القانونية والتشغيلية للمنشآت العاملة في هذا القطاع.
وفي الختام، يتضح أن التنظيم القانوني للأنشطة النووية والإشعاعية في مصر لا يقتصر على وضع قواعد إجرائية للترخيص أو الرقابة، وإنما يؤسس لمنظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق أعلى مستويات الأمان والأمن النووي، وضمان الاستخدام السلمي والآمن للمواد النووية والمصادر الإشعاعية.
وقد عكست التطورات التشريعية المتعاقبة، بدءًا من القانون رقم 7 لسنة 2010 ولائحته التنفيذية، مرورًا بتعديلات عام 2017، وصولًا إلى القانون رقم 10 لسنة 2026، توجهًا واضحًا نحو تعزيز كفاءة الرقابة وتطوير آليات الامتثال ومواكبة المعايير الدولية الحديثة. وهو ما يرسخ من قدرة الدولة على إدارة الأنشطة النووية والإشعاعية وفق إطار قانوني متوازن يحقق متطلبات التنمية والاستثمار دون المساس باعتبارات السلامة العامة والأمن القومي.
وفي ظل تعدد الالتزامات التنظيمية والفنية التي تفرضها التشريعات المنظمة للأنشطة النووية والإشعاعية، تبرز أهمية الحصول على المشورة القانونية المتخصصة لضمان الامتثال الكامل للمتطلبات التشريعية والتنظيمية ذات الصلة. ويقدم مكتب السعدني ومشاركوه للاستشارات القانونية الدعم القانوني اللازم للشركات والمؤسسات في مختلف مراحل الترخيص والتشغيل والامتثال، بما يساهم في الحد من المخاطر القانونية وضمان توافق الأنشطة مع الإطار التشريعي الحاكم لهذا القطاع الحيوي.